الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 24

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

الكتابة في السيرة طبقا لهذا الفهم . ويبدو أن اقتصار عمل الواقدي على فترة قصيرة من حياة النبي ( ص ) قد منحه فرصة وضع تقاليد خاصة في سرد المغازي ؛ إذ ثبّت طرائق واحدة اتبعها في سرد الغزوات المختلفة ؛ فبعد أن افتتح كتابه بذكر أسماء الرواة الذين نقل عنهم أخباره مشيرا إلى اختلاف مروياتهم أخذ يسرد ( المغازي واحدة واحدة مع تاريخ محدد للغزوة بدقة ، وغالبا ما يذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة ، ثم يذكر المغازي التي غزاها النبي بنفسه وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته ، وأخيرا يذكر شعار المسلمين في القتال ، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه لكل غزوة بأسلوب واحد ، فيذكر أولا اسم الغزوة وتأريخها وأميرها ، ويكرر في بعضها اسم المستخلف على المدينة وتفاصيل جغرافية مما كان قد ذكرها في مقدمة الكتاب . وفي أماكن كثيرة يقدم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع - أي يجمع الرجال والأسانيد في متن واحد . وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيات كثيرة من القرآن ، فإن الواقدي يفردها واحدها مع تفسيرها ويضعها في نهاية أخبار الغزوة . وفي المغازي الهامة يذكر الواقدي أسماء الذين شهدوا الغزوة وأسماء الذين استشهدوا أو قتلوا فيها ) ( 10 ) . ويشكل نمط الكتابة المختصرة النمط السردى الثاني من أنماط كتابة السيرة النبوية ، وهو يشترك مع النمط السابق في تقديم الأخبار الخاصة بحياة الرسول ( ص ) ووقائع دعوته وغزواته المختلفة ، وتقسيم هذه الأخبار طبقا للمسار الزمنى لحياة الرسول ( ص ) ، ولكن كتّاب ذلك النمط كانوا يركزون على اختيار الوقائع ، ويعرضون عن تقديم المرويات المختلفة حول الوقائع التي يعرضونها ، كما يندر لدى بعضهم - كابن عبد البر - تقديم الأشعار المرتبطة بوقائع السيرة ، بينما لا يورد بعضهم الآخر - كابن حزم - أيّا من أشعار السيرة . ومن أبرز النماذج التي تمثل هذا النمط كتاب " الدرر في اختصار المغازي والسير " لابن عبد البر ( ت 463 ه ) ، وكتاب " جوامع السيرة " لابن حزم الأندلسي ( ت 459 ه ) ( 11 ) . وثمة احتمال أن يكون تأصل هذا النمط في إطار كتابة السيرة النبوية قد أثر على كتابة بعض النصوص التي تنتمى إلى النمط الأوّل ؛ فكتاب المقريزي ( ت 845 ه ) ( إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ) يقوم على